محمد بن جرير الطبري

346

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نزله . يقول : نزل القرآن بأمر الله يشد به فؤادك ويربط به على قلبك ، يعني بوحينا الذي نزل به جبريل عليك من عند الله ، وكذلك يفعل بالمرسلين والأَنبياء من قبلك . حدثنا بشر بن معاذ قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ يقول : أنزل الكتاب على قلبك بإذن الله . وحدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ يقول : نزل الكتاب على قليك جبريل . قال أبو جعفر : وإنما قال جل ثناؤه : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ وهو يعني بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أمر محمدا في أول الآية . أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه ، ولم يقل : فإنه نزله على قلبي . ولو قيل " على قلبي " كان صوابا من القول ؛ لأَن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه ، إذ كان المخبر عن نفسه ومرة مضافا إلى أسمه كهيئة كناية اسم المخاطب لأَنه به مخاطب ؛ فتقول في نظير ذلك : " قل للقوم إن الخير عندي كثير " فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه لأَنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه . و " قل للقوم : إن الخير عندك كثير " فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب ؛ لأَنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له . وكذلك : " لا تقل للقوم : أني قائم " و " لا تقل لهم إنك قائم " ، والياء من إني اسم المأمور يقول ذلك على ما وصفنا ؛ ومن ذلك قول الله عز وجل : " قل للذين كفروا سيغلبون " و سَتُغْلَبُونَ بالياء والتاء . وأما جبريل ، فإن للعرب فيه لغات . فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون جبريل وميكال بغير همز بكسر الجيم والراء من جبريل وبالتخفيف ؛ وعلى القراءة بذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة . أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون جبرئيل وميكائيل ، على مثال جبرعيل وميكاعيل بفتح الجيم والراء وبهمز وزيادة ياء بعد الهمزة . وعلى القراءة بذلك عامة قراء أهل الكوفة ، كما قال جرير بن عطية : عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد * وبجبريل وكذبوا ميكالا وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن : " جبريل " بفتح الجيم . وترك الهمز . قال أبو جعفر : وهي قراءة غير جائزة القراءة بها ، لأَن " فعيل " في كلام العرب غير موجود . وقد اختار ذلك بعضهم ، وزعم أنه اسم أعجمي كما يقال : سمويل ، وأنشد في ذلك : بحيث لو وزنت لخم بأجمعها * ما وازنت ريشة من ريش سمويلا وأما بنو أسد فإنها تقول " جبرين " بالنون . وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في جبريل ألفا فتقول : جبرائيل وميكائيل . وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ " جبرئل " بفتح الجيم والهمز وترك المد وتشديد اللام ، فأما " جبر " و " ميك " فإنهما هما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى عبد والآخر بمعنى عبيد ، وأما " إيل " فهو الله تعالى ذكره . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جرير بن نوح الحماني ، عن الأَعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : جبريل وميكائيل كقولك عبد الله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن